ابن أبي العز الحنفي
443
شرح العقيدة الطحاوية
والنصارى عن تخصيص هذه الأمة بأجرين وإعطائهم هم أجرا أجرا ، قال : « هل ظلمتكم من حقكم شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : فذلك فضلي أوتيه من أشاء » « 618 » وليس في الحكمة اطلاع كل فرد من أفراد الناس على كمال حكمته في عطائه ومنعه ، بل إذا كشف اللّه عن بصيرة العبد ، حتى أبصر طرفا يسيرا من حكمته في خلقه ، وأمره وثوابه وعقابه ، وتخصيصه وحرمانه ، وتأمل أحوال محالّ ذلك ، استدلّ بما علمه على ما لم يعلمه . ولما استشكل أعداؤه المشركون هذا التخصيص ، قالوا : أَ هؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا ؟ قال تعالى مجيبا لهم : أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ الانعام : 53 . فتأمل هذا الجواب « 619 » ، تر في ضمنه أنه سبحانه أعلم بالمحلّ الذي يصلح لغرس شجرة النعمة فتثمر بالشكر ، من المحل الذي لا يصلح لغرسها ، فلو غرست فيه لم تثمر ، فكان غرسها هناك ضائعا لا يليق بالحكمة ، كما قال تعالى : اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ الانعام : 124 . فإن قيل : إذا حكمتم باستحالة الإيجاد من العبد ، فإذا لا فعل للعبد أصلا ؟ قيل : العبد فاعل لفعله حقيقة ، [ وله قدرة حقيقة ] . قال تعالى : وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ البقرة : 197 . فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ هود : 36 ، وأمثال ذلك . وإذا ثبت كون العبد فاعلا ، فأفعاله نوعان : نوع يكون منه من غير اقتران قدرته وإرادته ، فيكون صفة له ولا يكون فعلا ، كحركات المرتعش . ونوع يكون منه مقارنا لإيجاد قدرته واختياره ، فيوصف بكونه صفة وفعلا وكسبا للعبد ، كالحركات الاختيارية . واللّه تعالى هو الذي جعل العبد فاعلا مختارا ، وهو الذي يقدر على ذلك وحده لا شريك له . ولهذا أنكر السلف الجبر ، فإن الجبر لا يكون إلا من عاجز ، فلا يكون إلّا مع الإكراه ، يقال : للأب [ ولاية ] إجبار البكر الصغيرة على النكاح « 620 » ، وليس له إجبار الثيّب البالغ ، أي : ليس له أن يزوجها مكرهة . واللّه تعالى لا يوصف بالإجبار بهذا الاعتبار ، لأنه سبحانه خالق الإرادة
--> ( 618 ) البخاري في حديث لابن عمر أوله « انما بقاؤكم . . » . ( 619 ) قال عفيفي : انظر ص 331 ج 1 من « مختصر الموصلي » . ( 620 ) قال عفيفي : انظر ص 332 ج 1 من « مختصر الموصلي » .